Home
بين الحلم والقرار | رحلة بناء شركة ERPNext وفريق عمل ناجح

بين الحلم والقرار: رحلة بناء كيان وفريق من البداية ودروس من فشل الشراكات ونجاح الفريق

بين الحلم والقرار: رحلة بناء كيان وفريق من البداية ودروس من فشل الشراكات ونجاح الفريق

في بداية رحلتي في العمل الخاص، لم تكن هناك خطة واضحة أو تصور متكامل لما أسعى إليه، ولا كان الطريق مرسوما كما قد يبدو اليوم عندما ينظر الناس إلى النتائج فقط.
لم أكن أملك خارطة طريق مكتملة، ولا خبرة كافية تجعلني أتصرف بثقة القادة الذين كنت أراهم من بعيد، لكن كان بداخلي شيء لا أستطيع تجاهله، رغبة حقيقية في أن أبني شيئا له قيمة، وأن أترك أثرا حقيقيا، وأن أعيش تجربة أشعر أنها تشبهني وتشبه أفكاري وطريقة رؤيتي للأمور.
كانت البداية بسيطة جدا، بها قدر من الحيرة، وكثير من الفضول، ومساحات واسعة من التجربة والخطأ. كنت أبحث أكثر مما كنت أعرف، وأتعلم أكثر مما كنت أعلم، وأحاول أن أفهم الحياة العملية من الداخل قبل أن أحاول تشكيلها بطريقتي الخاصة.
في تلك المرحلة، كنت أردد كلمات أحبها وأؤمن بها مثل: الشغف والإصرار والمبادرة والتطوير والرغبة في التغيير. لكنني لم أكن أدرك وقتها، أن هذه الكلمات وحدها لا تكفي.
لم أكن أفهم أن الشغف الحقيقي، ليس مجرد حماس في البداية، بل قدرة على الاستمرار عندما تصبح الطريق مرهقة. وأن الإصرار، ليس مجرد عدم الاستسلام، بل تحمل مسؤولية القرارات حتى عندما تكون نتائجها قاسية.
وأن المبادرة، ليست فكرة جميلة تقال، بل مخاطرة حقيقية قد تدفع ثمنها من وقتك، وراحتك، وأحيانا من استقرارك الشخصي بالكامل.
ومع مرور الوقت، بدأت أكتشف أن بناء أي كيان، لا يحدث بالموهبة وحدها، ولا بالحماس فقط، بل بمجموعة طويلة من القرارات الصعبة، والاختيارات المؤلمة أحيانا، والدروس التي لا تتعلمها من الكتب، بل من الاحتكاك الحقيقي بالحياة والناس والعمل.
ومع كل مرحلة كنت أمر بها، كانت طريقة تفكيري تتغير. أشياء كنت أراها بسيطة، اكتشفت أنها معقدة جدا. وأشياء كنت أظنها معقدة، اكتشفت أن أساسها الصدق والنية والوضوح.
ومع مرور السنوات، تحولت هذه الرحلة إلى شريط طويل من الذكريات، كل محطة فيه لم تكن مجرد تجربة عابرة، بل كانت درسا يعيد تشكيل شخصيتي وطريقة رؤيتي للأشخاص، وللفرق، وللقيادة، وللنجاح نفسه.

البدايات: عندما يتحول الشغف إلى طريق من العفوية إلى الاحتراف

أول هذه المحطات، كانت لحظة التعرف على نظام ERPNext. وربما حتى اليوم، أعتبر أن هذه اللحظة لم تكن مجرد صدفة مهنية عابرة، بل كانت نقطة تحول حقيقية في طريقة رؤيتي للعمل والإدارة والتكنولوجيا معا.

لم تكن المسألة بالنسبة لي مجرد Software أو نظام لإدارة الشركات، بل كانت فكرة كاملة شعرت أنها تشبهني وتشبه الطريقة التي كنت أفكر بها دائما ، فكرة أن تكون كل أجزاء المنظومة مترابطة، وأن تكون القرارات مبنية على بيانات حقيقية، وأن تتحول الإدارة من ردود أفعال متأخرة إلى رؤية واضحة واستباقية.

في تلك الفترة، كنت أعمل ضمن القيادة المالية في منظومة صناعية كبيرة في المملكة العربية السعودية، وكان حجم العمليات والتفاصيل اليومية كبيرا جدا، وهو ما جعلني أرى بشكل عملي حجم الفوضى التي قد تصنعها الأنظمة التقليدية، وحجم الفارق الذي يمكن أن تصنعه الأنظمة الذكية عندما تطبق بشكل صحيح.

وعندما بدأت العمل على تطبيق نظام ERPNext، في تلك المنشأة بالسعودية لم أكن أعرف وقتها أن ما أقوم به يسمى Implementation، ولم أكن أعرف تفاصيل عالم شركات السوفت وير، ولا معنى المصطلحات التي أصبحت لاحقا جزءا من يومي.

لكنني كنت أتحرك بدافع بسيط وصادق جدا، وهو أن أطبق ما أؤمن به كما أراه صحيحا. لذا كنت أتعامل مع النظام وكأنه مساحة مفتوحة للأفكار، وليس مجرد برنامج له حدود جامدة.

وكل فكرة كانت تدور في ذهني، كنت أحاول أن أجد لها مكانا داخل النظام. وكل مشكلة كنت أراها داخل العمليات اليومية، كنت أبحث لها عن حل حقيقي. وكل تصور مهني كنت أطمح له، كنت أقاتل لأراه واقعا يمكن استخدامه فعليا. أحيانا كنت أقضي ساعات طويلة جدا في التفكير، ليس لأن أحدا طلب مني ذلك، بل لأنني كنت أشعر أن هذا الشيء يشبهني ويشبع فضولي المهني وشغفي.

كنت أشعر للمرة الأولى أن هناك شيئا يجمع بين الفكر الإداري، والتحليل المالي، والتكنولوجيا، والقدرة على بناء حلول حقيقية تؤثر في الناس والشركات. وربما لهذا السبب ارتبطت علاقتي بـ ERPNext بشكل مختلف. لم أتعامل معه كمنتج أقدمه للناس، بل كرحلة كاملة غيرت طريقة تفكيري وحياتي المهنية.

ثم جاءت لحظة التحول عندما عدت من السعودية للاستقرار في مصر، بدأت مرحلة أكثر بساطة وأكثر صدقا. لم تكن هناك شركة بالمعنى المعروف، ولا خطة تسويقية، ولا Branding، ولا حتى فهم واضح لمعنى “Sales” أو “Business Development”. كان هناك فقط اقتناع حقيقي جدا بأن هذا النظام قادر على تغيير طريقة إدارة الشركات، وأن الناس إذا فهمته بالشكل الصحيح سيحبونه كما أحببته أنا. ولهذا، بدأت أتحدث عنه مع كل من أقابله بدون أي حسابات مسبقة و بدون خطة واضحة و بدون مسمى لما أفعله أصلا كنت أتحدث مع صديق، ومع جار، ومع صاحب مطعم أجلس عنده، وأحيانا مع أشخاص لا أعرفهم أصلا. لم أكن أبيع، لكن كنت فقط مقتنعا. كنت أتحدث بنفس الحماس في كل مرة وكأنني أحكي عن شيء اكتشفته وأريد أن يراه الآخرون.

ومع الوقت، بدأت ألاحظ أن هذا الحديث البسيط يتحول إلى فرص حقيقية. ثم تحولت الفرص إلى عملاء، والعملاء إلى مشاريع والمشاريع إلى كيان بدأ يتشكل خطوة بخطوة. وهنا بدأت أفهم شيئا مهما جدا، أن بعض البدايات الكبيرة، لا تبدأ بخطط ضخمة، بل تبدأ بقناعة صادقة جدا، وشخص يؤمن بما يفعله لدرجة تجعله يتحدث عنه بعفوية كاملة، قبل أن يتحول الأمر لاحقا إلى احتراف ومسؤولية ومنظومة كاملة.

القيادة كما لم أكن أظن وأتصور

ومع بداية تكون هذا الكيان، وبداية تحول الفكرة من مجرد اجتهادات فردية ومحاولات بسيطة إلى مسؤولية حقيقية، بدأت أرى الأمور من زاوية مختلفة تماما. زاوية لم أكن أراها وأنا أنظر إلى أصحاب الشركات أو المدراء من الخارج في السابق.

كنت أظن أن قائد أي شركة هو الشخص الذي يجلس بعيدا عن التفاصيل، ويراقب النتائج فقط، ويتخذ بعض القرارات، ثم تسير الأمور من حوله بشكل طبيعي. و كنت أتصور أن الوصول لمرحلة فيما يعرف بصاحب العمل تعني مساحة أكبر من الراحة، وحرية أكبر في الوقت، وأن أغلب الجهد الحقيقي يكون على عاتق الفريق فقط. لكن الحقيقة التي عشتها كانت مختلفة تماما، وأعمق بكثير مما كنت أتخيل.

اكتشفت أن القائد، هو غالبا أكثر شخص يعمل داخل المنظومة كلها، ليس بيديه فقط بل بعقله طوال الوقت. حتى عندما يبدو هادئا من الخارج، يكون داخله ممتلئا بالتفكير ، يفكر في المستقبل، وفي المخاطر، وفي القرارات، وفي الاستيراتيجيات ، وفي الأشخاص، وفي الاتجاه الذي يجب أن تسير فيه الشركة بعد سنة أو اثنتين أو خمس سنوات. فاكتشفت أن القيادة ليست مجرد إدارة للمهام، بل إدارة للقلق نفسه قلق مسؤول، يجبرك كل يوم أن تسأل نفسك:
هل نحن نسير في الاتجاه الصحيح؟
هل هذا القرار مناسب؟
هل هذا الشخص مناسب لهذه المرحلة؟
هل ما نفعله اليوم سيحمينا غدا أم سيؤذينا لاحقا؟
ومع الوقت، أدركت أن أصعب ما في القيادة، ليس ضغط العمل بل ضغط القرار ، لأن القرار أحيانا قد يؤثر على حياة أشخاص، وعلى مستقبل فريق كامل وعلى سنوات من المجهود.

وهنا فهمت لماذا تبدو بعض القرارات التي يتخذها القادة باردة أو حاسمة من الخارج بينما هي في الحقيقة نتيجة ساعات طويلة من التفكير والصراع الداخلي. وأدركت أيضا أن العمل الحقيقي للقائد، لا ينتهي بانتهاء ساعات الدوام حيث لا توجد إجازات كاملة بالمعنى الحقيقي ولا يوجد وقت تنفصل فيه تماما ، حتى وأنت جالس مع عائلتك، أو تحاول أن ترتاح، يبقى هناك جزء من عقلك يعمل في الخلفية. تفكير في مشكلة تحتاج حلا، أو موظف يحتاج توجيها، أو عميل يجب الحفاظ عليه، أو قرار تخشى أن يكون تأخرك فيه مكلفا. العمل لا يتركك لأنه لم يعد مجرد وظيفة، بل أصبح جزءا من هويتك ومسؤوليتك تجاه من يعملون معك ومن يثقون بك.

وأحيانا، كنت أشعر أنني أعيش حالتين في نفس الوقت ، الاولى شخص يحاول أن يبني حلمه، وشخص آخر يحمل على كتفه مسؤولية الحفاظ على هذا الحلم من الانهيار. ومع مرور الوقت، بدأت أفهم أن القيادة الحقيقية، ليست في إصدار الأوامر، ولا في امتلاك السلطة، ولا حتى في القدرة على اتخاذ القرار فقط. القيادة الحقيقية، هي أن تظل حاضرا ذهنيا ونفسيا طوال الوقت، وأن تتحمل نتائج قراراتك، وأن تبقى واقفا حتى في اللحظات التي تشعر فيها بالإرهاق أو الشك أو الخوف.

وهنا أدركت أن القيادة ليست دورا يؤديه الإنسان داخل الشركة بل حالة مستمرة من الوعي والالتزام، وحوار داخلي لا يتوقف أبدا بين العقل والمسؤولية والطموح والخوف والأمل.

الشراكات: بين النية .. والواقع

ومع اتساع المسؤولية، وبداية تحول العمل من مجرد مشاريع متفرقة إلى كيان يحاول أن يجد له مكانا حقيقيا في السوق، بدأت أشعر أن الطريق لم يعد مناسبا لفكرة الفرد الواحد، أو الفريق المصغر.

وبدأت أبحث عن دعم، وعن شركاء، وعن أشخاص يمكن أن نكبر معا، ونتحمل هذه الرحلة سويا. حيث كنت أؤمن وقتها، وما زال جزء مني يؤمن حتى الآن، أن الشراكة في معناها الحقيقي، ليست مجرد توزيع مهام أو نسب لعوائد مالية. كنت أراها شيئا أعمق بكثير.

كنت أرى أن الشراكة تعني التكامل وأن الإنسان لا يمكن أن يكون كاملا بمفرده مهما امتلك من مهارات أو معرفة. وكنت أعتقد أن وجود شخص يشاركك نفس الحلم، قد يجعل الطريق أقصر، وأخف، وأكثر استقرارا. لكن مع الوقت اكتشفت أن الشراكات ليست سهلة كما تبدو من الخارج. بل ربما تكون من أكثر التجارب التي تظهر لك حقيقة الأشخاص وحقيقة نفسك أيضا.

واكتشفت أيضا أنه أحيانا، قد تجد داخل فريقك شخصا، تشعر تجاهه بشيء أكبر من مجرد علاقة مدير بموظف. تشعر أنه قريب من روح المشروع الكبير الذي بوجدانك ، تراه يتحرك بنفس الحماس الذي تتحرك به أنت، ويفكر بنفس القلق الذي تفكر به، ويفرح للنجاح وكأنه نجاحه الشخصي، ويتألم للمشاكل وكأنها تخصه وحده ، يجري بجوارك، يفهمك أحيانا دون أن تتحدث، ويقرأ ما يدور في رأسك من مجرد نظرة أو موقف. وتشعر أنه يشبهك في الحلم، وفي طريقة التفكير، وفي الرغبة في الوصول.
ولهذا، كنت أحيانا أنظر لبعض الأشخاص داخل الفريق، ليس باعتبارهم موظفين، بل باعتبارهم أبناء مهنيين أستثمر فيهم. أشخاص ترى فيهم امتدادا لما تؤمن به، وتشعر أن نجاحهم جزء من نجاحك، وأنك تريد أن تراهم في أماكن أفضل حتى من المكان الذي أنت فيه ، وربما لهذا السبب، أصبحت مقتنعا أن الشراكة الحقيقية أحيانا قد لا تكون مكتوبة في العقود، بل تبنى في المواقف اليومية، وفي الصدق، وفي الإخلاص للفكرة نفسها.

لكن على الجانب الآخر رأيت نوعا اخر مختلفا تماما من الشراكات ، شراكات قائمة فقط على المجهود، بدون أي استثمار حقيقي واضح أو متوازن ، لا يوجد تقييم حقيقي للوقت، ولا فهم واضح للقيمة، ولا تحديد دقيق للمسؤوليات، ولا حتى اتفاق حقيقي على معنى النجاح نفسه. فكل طرف يرى الأمور من زاويته فقط، وكل شخص يقيس مجهوده بطريقته الخاصة. وهنا تبدأ المشاكل في الظهور بهدوء ويتحول العمل الجماعي تدريجيا إلى حالة من الحسابات، بدلا من أن يكون روح فريق واحدة. ويبدأ كل طرف في الشعور أنه يقدم أكثر مما يأخذ، أو أنه يحمل العبء وحده، أو أن مجهوده غير مقدر بالشكل الكافي ، ومع الوقت تتحول الشراكة من مساحة بناء إلى مساحة استنزاف.وأصبحت مقتنعا أن الشراكات التي لا تبنى على وضوح حقيقي، ولا تقوم على عدالة في التقييم، ولا يوجد فيها استثمار متبادل سواء بالوقت أو المال أو المسؤولية، هي غالبا شراكات إلى زوال مهما بدت قوية في البداية. لأنها في النهاية تخدم مصلحة طرف، ولا تخدم مصلحة الكيان و لا الفريق.

وربما من أصعب الأشياء التي واجهتها، أن بعض الأشخاص كانوا يدخلون هذه العلاقات بعقلية الاستفادة، بينما كنت أنا أدخلها بعقلية البناء. كنت أبحث عن كيان يكبر بالجميع، بينما كان البعض يبحث فقط عن موقع داخل هذا الكيان. وهنا بدأت أرى بوضوح، كيف يمكن لاختلاف النوايا أن يغير شكل العلاقة بالكامل. لكن رغم كل ذلك، كان هناك شيء دائما ما ينقذني، وهو صدق نيتي، حتى عندما أخطئ في الاختيار، أو أبالغ في الثقة، أو أتأخر في رؤية الحقائق.

وحتى اليوم، ما زلت أؤمن أن النية الصادقة، قد لا تمنعك من التعثر لكنها تمنعك من السقوط الكامل. وتجعل الإنسان في النهاية، يخرج من التجارب بخبرة أعمق، وفهم أكثر نضجا لمعنى الأشخاص، ومعنى الفريق، ومعنى الشراكة الحقيقية.

بين العلم .. والانبهار الخاطئ بالأشخاص

مع كل تلك التجارب، وكل ما مررت به من محاولات وصعود وهبوط وتحديات، ظل هناك شيء ثابت داخلي لم يتغير، وهو إيماني الحقيقي بقيمة العلم. كنت وما زلت أؤمن، أن أي كيان يريد أن يكبر بشكل حقيقي، لا يمكن أن يعتمد فقط على الحماس أو المجهود أو العلاقات، بل يحتاج إلى معرفة، وإلى فهم، وإلى أشخاص لديهم قدرة على التطور والتعلم المستمر. وكلما تقدمت أكثر في رحلتي، كنت أكتشف أن العالم أكبر بكثير مما كنت أتصور، وأن الاحتراف الحقيقي لا يرتبط فقط بالخبرة العملية، بل أيضا بطريقة التفكير، وبالقدرة على الوصول للمعلومة الصحيحة، وفهم ما يحدث حولك بسرعة.

كنت أرى أن الشخص الذي يمتلك القدرة على الوصول للمعلومة مباشرة، ويمتلك أدوات التواصل الحديثة، يستطيع أن يتحرك أسرع بكثير من غيره. وأعترف أنني كنت أرى أن لدي قصورا في بعض هذه الجوانب، وربما كنت أشعر أحيانا أن لدي خبرة عملية ورؤية جيدة، لكن هناك أشياء أخرى أحتاج أن أتعلمها أو أكملها. ولأنني بطبيعتي أحب أن أحيط نفسي بأشخاص أفضل مني في بعض النقاط، فكرت أن أستقطب كفاءات تمتلك ما ينقصني. أشخاص لديهم لغة أقوى، وخلفية علمية أوسع، وشهادات مهنية كبيرة، أو طريقة حديث وحضور تجعلهم يبدون أكثر احترافية.

وهنا كانت النية صحيحة جدا ، كنت أريد أن أبني فريقا أقوى مني، لا فريقا يدور حولي فقط. كنت أؤمن أن القائد الحقيقي، ليس من يخاف من وجود أشخاص أقوياء حوله، بل من يسعى لذلك ، لكن المشكلة لم تكن في الفكرة نفسها، بل في طريقة التنفيذ. لأنني أحيانا، كنت أختار بناء على الانطباع، أو بناء على الانبهار، وليس بناء على معايير مهنية دقيقة وواضحة.
كنت أنبهر أحيانا بطريقة الكلام، أو بالثقة العالية، أو بالشهادات، أو باللغة، أو بالحضور القوي أمام الناس. وأتخيل أن كل ذلك يعني بالضرورة قدرة حقيقية على البناء والعمل والقيادة ، لكن مع الوقت، اكتشفت أن بعض الأشخاص، قد يمتلكون صورة احترافية ممتازة، لكنهم بعيدون جدا عن الواقع الحقيقي للعمل.

قد يمتلك الإنسان معلومات كثيرة، لكنه لا يمتلك الشغف. وقد يمتلك لغة قوية، لكنه لا يمتلك روح الفريق. وقد يمتلك شهادات كبيرة، لكنه لا يستطيع تحمل ضغط البناء الحقيقي. ، وهنا بدأت أفهم فرقا مهما جدا: أن العلم شيء، والقدرة على تحويل العلم إلى أثر حقيقي شيء آخر تماما ، وأدركت أيضا أن بعض الشخصيات، تكون جيدة جدا في الحديث عن النجاح، لكنها ليست بنفس الجودة عندما تدخل في رحلة بناء حقيقية مليئة بالضغط والتحديات وعدم الاستقرار.

وهذا النوع من الأخطاء، كلفني الكثير. كلفني وقتا، وثقة، وقرارات كان يمكن أن تتخذ بشكل أفضل لو كنت أكثر هدوءا وموضوعية في التقييم ، لكن في المقابل، علمتني هذه المرحلة درسا مهما جدا و هو أن الانبهار بالأشخاص قد يكون من أخطر الأشياء على أي قائد. لأنك عندما تنبهر بأحد قد تتوقف مؤقتا عن رؤية التفاصيل الصغيرة التي تكشف حقيقته ، ومع الوقت، بدأت أتعلم كيف أفرق بين الشخص اللامع، والشخص الحقيقي. وبين من يجيد الظهور، ومن يستطيع أن يبني معك شيئا يستحق أن يبقى.

بين الاستراتيجية .. والتنفيذ

ومع كل هذه التحديات، ومع توسع المسؤوليات بشكل تدريجي، وجدت نفسي أعيش حالة من الصراع المستمر بين مستويين مختلفين تماما، لكن كلاهما كان يطلبني طوال الوقت.

المستوى الأول، هو مستوى التفكير والرؤية والتخطيط. وهو المستوى الذي تحاول فيه أن ترى الصورة الكبيرة، وأن تفكر في المستقبل، وفي اتجاه الشركة، وفي شكل الكيان بعد سنوات، وفي القرارات التي يجب أن تبنى عليها المرحلة القادمة. وكنت دائما أحب هذا الجانب بطبيعتي. أحب التفكير، والتحليل، وبناء الأفكار، ورسم السيناريوهات، والنظر للأمور بشكل أوسع من مجرد المهمة الحالية.
لكن على الجانب الآخر، كان هناك مستوى مختلف تماما. مستوى التنفيذ اليومي، والتفاصيل الصغيرة، والمشاكل المفاجئة، والتحديات المباشرة التي لا تنتظر ، وهنا بدأت أكتشف واحدة من أصعب المعادلات في أي رحلة بناء، وهي أنك كقائد، قد تعرف جيدا أين تريد أن تصل، لكن الواقع اليومي أحيانا يسحبك بعيدا عن هذا الاتجاه باستمرار. وفي كثير من الأحيان، كنت أضطر للنزول إلى أرض التنفيذ بنفسي. أدخل في التفاصيل الدقيقة، وأحارب مع الفريق، وأتابع أمورا كان المفترض أن تكون مستقرة بالفعل.

أحيانا كنت أشعر أنني أتحول من شخص يفكر في بناء منظومة، إلى شخص يحاول فقط منع المشاكل من الانفجار يوما بعد يوم. وفي كل مرة كنت أنزل فيها إلى هذا المستوى من التفاصيل، كنت أشعر أنني أبتعد خطوة عن الصورة الأكبر التي أحاول بناءها. وكأن عقلي موزع بين حربين في نفس الوقت هما حرب الحفاظ على استقرار اليوم، وحرب بناء الغد.

وكانت المشكلة الحقيقية أن استنزافك في التفاصيل اليومية، يجعلك بمرور الوقت أقل قدرة على التفكير الاستراتيجي الهادئ ، حيث تبدأ القرارات تتحول الى ردود أفعال، بدلا من أن تكون خطوات محسوبة. ويتحول وقتك تدريجيا إلى مساحة لإطفاء الحرائق، بدلا من بناء شيء يمنع الحرائق من الأساس ، لذا أحيانا كنت أشعر أنني أدور داخل دائرة مغلقة. أحل مشكلة فتظهر أخرى. أعالج خللا فيظهر خلل جديد. أحاول تثبيت شيء فتتحرك أشياء أخرى من مكانها. ثم أعود لنفس النقطة مرة أخرى. وكان هذا الإحساس مرهقا جدا نفسيا وعقليا، لأنك تبذل مجهودا ضخما، لكن شعور التقدم الحقيقي لا يكون بنفس حجم هذا المجهود.

وهنا بدأت أدرك شيئا مهما جدا، أن أكبر خطر على أي كيان في مرحلة النمو، ليس كثرة العمل بل غياب التوازن بين التفكير والتنفيذ. لأن التنفيذ بدون رؤية، يجعلك تتحرك كثيرا دون اتجاه واضح. وفي المقابل، الرؤية بدون قدرة حقيقية على التنفيذ، تبقى مجرد أفكار جميلة ، ومع الوقت بدأت أقتنع أن دور القائد الحقيقي، ليس أن يقوم بكل شيء بنفسه، ولا أن ينعزل تماما عن التنفيذ. بل أن يعرف متى ينزل للتفاصيل، ومتى يبتعد ليرى الصورة كاملة ، وأن يبني فريقا، ونظاما، وعمليات واضحة، تجعله قادرا على التفكير في المستقبل بدلًا من أن يظل أسيرا للحاضر طوال الوقت.

وربما لهذا السبب تحديدا، بدأت أفهم أن بناء النظام، أهم بكثير من مجرد حل المشاكل اليومية. لأنك قد تنجح في حل مائة مشكلة بجهد شخصي، لكنك لن تبني كيانا حقيقيا إلا عندما تبني طريقة تمنع هذه المشاكل من التكرار من الأساس.

عندما تتغير التشكيلة .. تختلف النتائج

كل هذه التراكمات، وكل ما سبقها من تجارب، وكل ما تركته الشراكات والاختيارات والتحديات اليومية من أثر، قادتني في النهاية إلى لحظة صعبة لكنها كانت حاسمة. وهي لحظة إعادة تشكيل الفريق ، وهذه اللحظة تحديدا لم تكن قرارا إداريا عاديا، ولم تكن مجرد مراجعة أداء أو تغيير أسماء داخل الهيكل. لأنها كانت لحظة مواجهة حقيقية مع النفس قبل أن تكون مواجهة مع الآخرين.
لأن إعادة تشكيل الفريق تعني أن تسأل نفسك أسئلة صعبة جدا:
هل الأشخاص الموجودون اليوم مناسبون للمرحلة القادمة؟
هل الطاقة الموجودة داخل الفريق تساعد على النمو أم تستهلكه؟
هل نحن نتحرك كفريق واحد أم أن كل شخص يتحرك وفق منطقه الخاص؟
هل هناك انسجام حقيقي أم مجرد وجود مؤقت تحت سقف واحد؟
وهل تمسكي ببعض الأشخاص سببه اقتناعي الحقيقي بهم أم لأن مشاعري تمنعني من اتخاذ القرار المناسب؟

ومع الوقت، بدأت أرى الحقيقة بشكل أكثر وضوحا، وهي أن ليس كل شخص مناسبا لكل مرحلة ، قد يكون الشخص جيدا في مرحلة معينة، لكنه لا يستطيع مواكبة مرحلة أخرى. وقد يكون إنسانا طيبا ومحترما، لكن طموحه أو طريقته في التفكير أو مستوى التزامه، لا يتوافق مع السرعة التي يحاول الكيان التحرك بها ، وهذا لا يعني التقليل من أحد، ولا إنكار ما قدمه، ولا التعامل مع الناس بقسوة أو تعال بل يعني فقط أن لكل مرحلة رجالها ومتطلباتها وطريقتها المختلفة ، لكن أصعب ما في هذه القرارات، أنها لم تكن تتعلق بأشخاص لا أقدرهم. بل على العكس، كنت أقدرهم وأحترمهم ، كان الحديث أحيانا عن أشخاص شاركوني أجزاء من الرحلة، وعشت معهم لحظات تعب ومحاولات وبدايات، وأعطيتهم من وقتي وطاقتي واهتمامي، وأحيانا من قلبي أيضا. ولأنني بطبيعتي أحب الاحتواء، كنت دائما أميل إلى الصبر على التعليم. وكنت أرى أن الإنسان قد يبدأ بإمكانيات بسيطة، لكن مع الدعم والتوجيه والاهتمام، قد يكتشف نفسه ويتحول إلى نسخة مختلفة تماما ، ولهذا، كنت أعطي فرصا كثيرة أحيانا أكثر مما ينبغي ، وكنت أقول لنفسي ربما يحتاج الشخص فقط لمن يؤمن به، أو لمن يأخذ بيده، أو لمن يعطيه مساحة ليتعلم ويخطئ وينضج ، ولم يكن يزعجني ضعف الخبرة بقدر ما كان يزعجني غياب الرغبة. لأن المهارة يمكن تعلمها، لكن الدافع الحقيقي لا يمكن صناعته بالقوة ، ومع ذلك كنت أكمل الطريق مع بعض الأشخاص بدافع الأمل، على أمل أن يكتشفوا أنفسهم، أو يشعروا بقيمة الفرصة، أو يتحولوا إلى صورة أخرى مختلفة.

لكن من أصعب الأشياء التي واجهتها، أن بعض الأشخاص رغم كل الصبر والدعم والمساندة، كانوا ينكرون أي جميل أو وقفة أو فرصة حصلوا عليها من خلالي في تصوري و ربما اكون مخطئا ، لانني أحيانا كنت أكتشف بعد وقت طويل، أن المشكلة لم تكن فقط في قلة الخبرة، بل في غياب بعض الأساسيات التي لا تتعلق بالمهارة فقط، بل بالالتزام، والتقدير، والصدق، والمهنية، والرغبة الحقيقية في التطور. وربما أكثر ما كان يؤلمني، ليس أنهم لم ينجحوا بالشكل الذي كنت أتمناه، بل أن بعضهم تعامل وكأن كل ما قدم له كان أمرا عاديا لا قيمة له ، وأنا بطبيعتي، لا أحب أبدا فكرة المعايرة أو التذكير بما قدمته لأحد، لكنني أيضا أؤمن أن التقدير والوفاء، من أبسط الأشياء التي تحفظ العلاقات الإنسانية والمهنية. لأن الإنسان قد ينسى المال، وينسى التفاصيل، لكن من الصعب أن ينسى من وقف بجواره بصدق - "ولا تنسوا الفضل بينكم" - ، ولهذا، كنت أحيانا أشعر بالضيق، ليس بسبب خسارة الأشخاص أنفسهم، بل بسبب إحساسي أنني ربما أخطأت التقدير في بعض الاختيارات. لكنني مع الوقت، أصبحت أكثر هدوءا في فهم هذه الأمور. وأدركت أن هذا وارد جدا في الحياة والعمل.

ليس كل شخص تعطيه فرصة سيقدرها، وليس كل شخص تدعمه سيبقى وفيا، وليس كل من تبدأ معه الطريق سيكمله معك للنهاية. وهذا لا يعني أن تتوقف عن دعم الناس، ولا أن تغلق قلبك تماما، بل يعني فقط أن تتعلم كيف توازن بين قلبك وعقلك. و ان تعطي، لكن بوعي وتدعم، لكن بمعايير أوضح وتحتوي، لكن دون أن يتحول الاحتواء إلى تعطيل للكيان أو ظلم لباقي الفريق.

ومع كل هذه التجارب، بدأت أرى الفريق كجسد واحد. إذا كان هناك عضو متعب أو غير منسجم مع الحركة العامة، فإن الجسد كله يتأثر. ولهذا، لم يكن القرار بالنسبة لي هو قطع عيش كما قد يظن البعض، بل محاولة لحماية باقي الجسد ، وحماية الأشخاص الذين يريدون أن يكبروا فعلا ، وحماية الطاقات التي ما زالت تؤمن بالهدف ، وحماية الكيان نفسه من أن يفقد روحه بسبب التردد أو المجاملة ، وأعترف أنني تأخرت في بعض هذه القرارات. تأخرت لأنني كنت أرى الجانب الإنساني قبل المهني. وتأخرت لأنني كنت أبحث دائما عن فرصة جديدة للإصلاح. وتأخرت لأنني كنت أظن أن الدعم وحده كاف لصناعة الانتماء. لكن الحقيقة التي تعلمتها، أن الدعم لا يصنع الدافع من العدم. يمكنك أن تساعد شخصا يريد أن يساعد نفسه، لكن لا يمكنك أن تحلم بدلا منه. ولا يمكنك أن تزرع الطموح داخل شخص لا يبحث عنه أصلا.

وعندما تم اتخاذ القرار أخيرا، بدأ التغيير يظهر بهدوء شيئا فشيئا. لم يحدث الأمر كضجيج كبير، لكن شيئا ما داخل الفريق بدأ يتغير. وبدأت تظهر طاقة مختلفة، وانسجام أكبر، ولغة مشتركة، وهدف أوضح. بدأت الاجتماعات تصبح أخف وأكثر فهما، وأصبحت المسؤوليات أوضح ، وبدأت أشعر أن هناك أشخاصا “يحاربون” لا فقط يعملون. وكأن الفريق ولد من جديد. ليس لأننا أصبحنا كاملين، ولا لأن التحديات اختفت، ولكن لأننا أصبحنا أكثر وضوحا مع أنفسنا نعرف ماذا نريد، ونعرف لماذا نتحرك، ونعرف أن الطريق الطويل لا يحتاج فقط إلى المهارة، بل إلى أشخاص لديهم نفس النفس الطويل، ونفس الإيمان بما نبنيه.

بناء المعرفة: من Smart Solutions إلى Operion ثم Smart Academy

في بداية الرحلة، لم تكن هناك حسابات معقدة، ولا دراسة عميقة لمعنى الهوية التجارية، ولا فهم حقيقي لمفاهيم مثل الـ Branding أو بناء الصورة الذهنية أو الرسالة المؤسسية ، كل ما كان موجودا وقتها، هو شخص يحاول أن يعمل بصدق، ويقدم شيئا يؤمن به. ولهذا، بدأت الشركة تحت اسم Smart Solutions. كان الاسم وقتها بالنسبة لي بسيطا ومباشرا، ويعبر عن شيء كنت أراه مهما جدا: أننا نحاول تقديم حلول ذكية تساعد الناس والشركات على العمل بشكل أفضل ، ولم أكن وقتها أفكر في أن الاسم يجب أن يحمل فلسفة عميقة، أو أن يكون وراءه Storytelling، أو أن يكون له بعد تسويقي أو استراتيجي ، كنت فقط أتحرك بعفوية شديدة، وبتركيز كامل على العمل نفسه. كنت أؤمن أن جودة ما نقدمه، أهم من أي اسم أو شكل أو Branding.

لكن مع مرور الوقت، وبعد الاحتكاك بالسوق، والتعامل مع العملاء، وبداية تكون كيان حقيقي له أسلوبه وطريقته في التفكير، بدأت أرى الأمور بشكل أعمق ، وبدأت أفهم أن الاسم ليس مجرد كلمة، وأن الهوية ليست مجرد شعار أو ألوان. بل هي انعكاس لفكرة كاملة، وطريقة تفكير، ورسالة يريد الكيان أن يقولها للعالم. وهنا بدأت أراجع نفسي من جديد:
من نحن فعلا؟ - وما الذي نحاول تقديمه بشكل مختلف؟ - وما الفكرة الأساسية التي تحركنا؟

ومع الوقت، بدأ يتضح لي معنى الاسم، ومعنى الهوية، ومعنى الرسالة التي أريد أن يحملها هذا الكيان. ومن هنا جاء قرار التحول إلى Operion. ولم يكن اختيار الاسم مجرد تغيير شكلي، بل كان انعكاسا لمرحلة نضج فكري ومهني مختلفة تماما ، اسم Operion بالنسبة لي، كان يحمل شيئا يشبه ما نحاول القيام به بالفعل فكرة تجمع بين التشغيل والرؤية، وبين الإدارة والفكر، وبين العمليات اليومية والقدرة على بناء منظومة تعمل بذكاء. كنت أشعر أن هذا الاسم أقرب لما نقدمه فعلا، لأننا لم نكن نبيع مجرد Software أو خدمات تقنية. كنا نحاول أن نبني طريقة تفكير، وأن نحول الفوضى إلى نظام، وأن نساعد الشركات على رؤية أعمالها بشكل أوضح ، ولهذا، شعرت أن Operion ليست مجرد اسم جديد، بل مرحلة جديدة بالكامل مرحلة أكثر وضوحا، ونضجا، وفهما لما نريد أن نكونه.

لكن الرحلة لم تتوقف عند بناء الشركة فقط، لأنني مع الوقت بدأت أشعر أن الخبرة التي نعيشها يوميا، لا يجب أن تبقى حبيسة المشاريع والاجتماعات والعملاء فقط ، وبدأ يتكون داخلي اقتناع مهم جدا، أن المعرفة الحقيقية يجب أن تنقل. وأن التجربة التي تتراكم داخل الإنسان عبر السنوات، إذا لم تتحول إلى أثر أو محتوى أو تعليم، فإن جزءا كبيرا منها يضيع. ومن هنا، بدأت فكرة تحويل الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى محتوى. وهكذا ولدت Smart Academy ، ولم تكن الفكرة مجرد منصة تدريب، أو مشروع جانبي مرتبط بالشركة. بل كانت امتدادا طبيعيا جدا للرحلة كلها ، لأنني كنت أرى أن كثيرا من الناس يحتاجون إلى من يشرح لهم الأمور بشكل عملي وبسيط وصادق، بعيدا عن التعقيد الأكاديمي أو الكلام النظري فقط ، كنت أريد أن أنقل ما عشناه بالفعل. الأخطاء قبل النجاحات، والواقع قبل الشعارات ولهذا، لم يكن الهدف فقط شرح نظام ERPNext، بل شرح طريقة التفكير نفسها:
كيف تدار الشركات؟ - كيف تبنى العمليات؟ - كيف تتحول الأفكار إلى تطبيقات حقيقية؟ - وكيف يمكن لشخص بسيط لديه شغف حقيقي، أن يصنع مسارا مختلفا لنفسه؟

ثم جاءت خطوة أخرى قريبة جدا إلى قلبي، وهي فكرة كتابة كتاب يشرح النظام ، وربما كان هذا من أكثر الأشياء التي شعرت أنها تشبهني فعلا. لأن الكتاب بالنسبة لي، لم يكن مجرد محتوى مكتوب، بل محاولة لتبسيط رحلة طويلة من الفهم والتجربة والتطبيق. ومحاولة لأن أضع سنوات من التعلم العملي، في صورة تساعد شخصا آخر على أن يبدأ بشكل أوضح وأسهل ، وكان هذا كله جزءا من قناعة أصبحت راسخة داخلي، أن النجاح الحقيقي ليس فقط فيما تبنيه لنفسك، بل فيما تستطيع أن تنقله لغيرك.

ولهذا، أصبحت أرى أن دورنا لا يجب أن يتوقف عند تقديم الخدمة ، بل يمتد إلى بناء الوعي، ونقل المعرفة، والمساهمة في تكوين جيل يفهم التكنولوجيا والإدارة والمحاسبة بشكل مختلف وأكثر نضجا.

وربما لهذا السبب، أشعر اليوم أن الرحلة لم تعد مجرد شركة بدأت من فكرة بسيطة، بل أصبحت مشروعا يحاول أن يترك أثرا حقيقيا، حتى لو كان صغيرا، في حياة من يمرون به.

النهاية

عندما أنظر اليوم إلى هذا الشريط الطويل من الذكريات، أدرك أن كل محطة مررت بها كانت ضرورية ،حتى اللحظات التي كنت أظن وقتها أنها تعطلني، أو تؤخرني، أو ترهقني بلا معنى، أكتشف الآن أنها كانت تشكل شيئا داخلي لم أكن أراه في ذلك الوقت.

كل تجربة، وكل خسارة، وكل نجاح صغير، وكل قرار متأخر، كان له أثر ، أحيانا كنا نتعلم من النجاح، لكن في كثير من الأحيان كنا نتعلم أكثر من التعب، ومن الأخطاء، ومن الأشخاص الذين لم يكملوا الطريق معنا، ومن اللحظات التي شعرنا فيها بالحيرة أو الضغط أو حتى الشك .

ومع مرور الوقت، بدأت أفهم أن رحلة بناء أي كيان، لا تبنى فقط بما ننجح فيه، بل أيضا بما ننجو منه. وأن الإنسان أحيانا، لا ينضج بسبب الأشياء التي سار فيها كل شيء كما أراد، بل بسبب المواقف التي اضطر فيها أن يعيد التفكير في نفسه بالكامل.

ولهذا، أصبحت أرى أن الحلم وحده لا يكفي. الحلم مهم، لأنه الشرارة الأولى، ولأنه الشيء الذي يجعلك تتحرك من الأساس، ولأنه الصوت الداخلي الذي يقول لك: هناك شيء يستحق المحاولة ، لكن الحقيقة التي تعلمتها، أن الحلم بدون قرار، يبقى مجرد فكرة جميلة ، لأن القرار هو اللحظة التي تنتقل فيها من التمني إلى الالتزام.
القرار هو أن تتحمل مسؤولية الطريق، حتى عندما يصبح أصعب مما توقعت. وأن تستمر، حتى عندما لا ترى النتائج بسرعة.

وأصبحت أؤمن أيضا أن الرؤية مهمة جدا أن ترى الصورة الأكبر، وأن تمتلك تصورا لما تريد بناءه، هو شيء يصنع الفارق فعلا. لكن في النهاية، يبقى التنفيذ هو الفيصل الحقيقي ، لأن الأفكار وحدها لا تبني شركات، ولا تغير الواقع، ولا تصنع أثرا.

الذي يصنع الفرق فعلا، هو القدرة على تحويل هذه الأفكار إلى خطوات، ثم إلى عمل، ثم إلى التزام يومي طويل وصبور.وكذلك القيم و كثير من الناس تتحدث عن القيم، وعن المبادئ، وعن الاحترام، وعن الاحتراف. لكنني مع الوقت، أصبحت مقتنعا أن القيم الحقيقية، لا تظهر في الكلام، بل تظهر عندما تصبح مكلفة ، عندما تتمسك بالمبدأ رغم أن التنازل عنه قد يكون أسهل ، عندما تختار الصدق رغم أن غيره قد يحقق مكسبا أسرع وعندما تحافظ على احترامك للناس، حتى وأنت مضطر لاتخاذ قرارات صعبة K هنا فقط تصبح القيم حقيقية.

لماذا كتبت هذا المقال ؟

أكتب هذا المقال ليس لأحكي قصة نجاح، ولا لأظهر نفسي بصورة مثالية، ولا لأقول إننا وصلنا للنهاية ، على العكس تماما، أشعر أننا ما زلنا في منتصف الطريق، وأن هناك أشياء كثيرة جدا ما زلنا نتعلمها كل يوم.

لكنني أردت أن أكتب هذه الكلمات، لأنني مؤمن أن التجارب الحقيقية تستحق أن تشارك. خصوصا التجارب التي لا تتحدث فقط عن النجاحات، بل عن الحيرة، والتعب، والقرارات المؤلمة، والدروس التي لا تكتب في الكتب.

أردت أن أقول لأي شخص يحاول أن يبني شيئا من الصفر، إن الطريق ليس سهلا كما يبدو من الخارج ، وأن بناء الفرق، أصعب أحيانا من بناء المنتجات نفسها ، وأن القيادة ليست صورة أو منصبا، بل مسؤولية ثقيلة جدا في بعض الأوقات.

أردت أيضا أن أذكر نفسي قبل أي شخص آخر، أن ما نعيشه اليوم، هو نتيجة لما قررناه بالأمس ونتيجة للصبر، وللأخطاء، وللتجارب، وللأشخاص الذين مروا في الرحلة، وللقرارات التي تأخرنا فيها أحيانا ثم تعلمنا منها.

وربما أهم ما خرجت به من كل هذه الرحلة، أن البناء الحقيقي لا يحدث مرة واحدة، بل يحدث كل يوم ، في كل قرار وفي كل شخص تختاره أو تتركه وفي كل مرة تقرر أن تكمل رغم التعب.

نحن مستمرون، ليس لأن الطريق أصبح سهلا، بل لأننا أصبحنا نعرف لماذا بدأنا، ولأننا ما زلنا نؤمن بما نبنيه، وبالأثر الذي نحاول أن نتركه. و نسأل الله ان يجعله اثرا طيبا و ميراثا في ميزان حسناتنا.

جاهز للتبديل الى نظام ERPNext ؟

اكتشف كيف يمكن لـ ERPNext تحسين كفاءة اعمالك و يوفر الكثير من التكاليف